مجموعة مؤلفين
352
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
البشري من صراع على موارد العيش ، ولما اصطنعته المجتمعات الانسانية من أنظمة ، ولما قدمته العقول من حلول . ولئلا يطول البحث وينشعب ، أرى ان اختصر الاشتراكيات الكثيرة باشتراكية سان سيمون ، واشتراكية ماركس ، ففيهما - كما أرى - ما يغني عن بحث مواقف الاشتراكيات الأخرى ، ولا سيما ان ما قدمه ماركس بعد أكمل ما وصل اليه الفكر الاشتراكي ، مع التفسيرات والتعديلات التي أضافها انجلز ، ولينين ، واضرابهما . آ - سان سيمون والفقر : اما سان سيمون فمن الممكن تشعيب فلسفته الاشتراكية في شعبتين : أولاهما دعوته إلى العمل ، والثانية دعوته إلى تنظيم الملكية . ففي أولى الدعوتين يحمّل المجتمع مسؤولية تأمين العمل لافراده ، فإذا تم ذلك كان تقاعس الفرد عن العمل ضربا من ضروب السرقة يحاسب عليه ، لأنه يقطف ثمار ما يقوم به غيره ، ومن هنا وجب على كل فرد ان يعمل بحسب قدرته ، وان ينال الأجر الذي يستحقه بحسب الخدمة والانتاج . وههنا يطلع عليه المجتمع بمشكلة الثراء الفاحش الذي يسمح لأصحابه الا يعملوا ، وان يجدوا مع ذلك من يعمل لهم ، فلا يجد بدا من الدعوة إلى القضاء على الملكية ، فيقدم مقترحات كثيرة يقضي بعضها بالغاء الميراث ، حتى لا تنتقل الثورة إلى ورثة ربما لا يستحقونها ، أو لا يحسنون القيام عليها . ويقضي بعضها الاخر بتنظيم الملكية بحيث يكون في المجتمع نوعان منها ، ملكية عامة تسيطر فيها الدولة على الصناعة ومرافق الانتاج العامة ، وملكية خاصة تقتصر على المواد الاستهلاكية ليس غير . وما من شك في أن اشتراكية سان سيمون تفتقر على اعتدالها إلى النزعة الانسانية إذ تسلب العامل حافزا مهما على الربح ، والمزيد من النتاج ، هو تأمين الحياة المرجوة لأولاده من بعده ، فإذا عرف ان ثمار نتاجه لن تؤول إليهم بعد موته فقد يصير تصرفه فيها ضربا من التبذير ويقعد به عن العمل في أخريات أيامه . وهناك انتقادات أخرى سوف تذكر في حينها ، لئلا يتكرر القول في آراء متشابهة .